khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
نصوص
أعطيتك خبزتي الفقيرة
 
]1[
أعطيتُكَ خبزتي الفقيرة، بما فيها من لا شيء
قلتُ: كُلْ، لعلّ الجوعُ هو ما أوقفَ زحفكَ
أكلتَها ونمتَ
أريتُكَ صورَ الشهداءِ وأسماءهم
لأعبّئَ صدرَكَ بوعي الحقيقة
فرتّبتَها في ألبومٍ ونمتَ
شرحتُ لكَ كلَّ غرزةٍ في ثوب جدتي القديم
وفصّلتُ لك ستّين حضارةً بين الغرزاتِ
لتعرفَ أن أمَّنا كانت هنا
قبل أن يفكّرَ جبريلُ بالنزولِ إلى الأرض
فتثاءبتَ بكسلٍ ونمتَ
جئتُكَ بأطفالٍ مبتوري الأيدي والأرجل
دون عيونٍ أحياناً، دون عائلة
لترى ماذا فعل الغزاةُ بنا
فتمتمتَ بدعاءٍ غير مفهومٍ، ونمتَ
نمتَ، حين فرّت الغزالاتُ، ونمتَ عندما انهار السورُ
ونمتَ حين نضج الزيتون، حتى سقط على الأرضِ
نمتَ حتى أعدنا تعريفَ النوم في المعجم
وجفّ النومُ عن أشجارِ الغابةِ
يا للحظتك التي ستفيق فيها
ولا تجدُ ما يستحقُّ الصحوَ
يا سيّدَ النومِ
يا سيّد اللاشيء

]2[
ربّما تتذكّرُ بعد ألف عامٍ من الآن
أنّ الإبر كلَّها، أعني تلك التي كنتَ تغرسُها في جلدي
كانت السببَ الوحيد، الوحيد الوحيد
لكلّ تلك الجروح التي تسيلُ منكَ
على الرّملِ، وعلى الورق أيضاً
لكنّكَ حين تتذكّرُ ذلك
سأكونُ خبزاً للعصافيرِ ربّما
أو حفنةَ أنغامٍ في عودِ قصب
ولن تعنيني مطلقاً
القصّة من أولِها إلى آخرها
وبالطبع لن تعنيني كذلك
كلمات الندم في قصائدك

]3[
خجلتُ
فكيفَ يستجيبُ لكَ المطرُ عند أوّلِ إيماءةٍ من عينِكَ
فيما أجاهدُ لأحرّكَ الريحَ ملليمتراً واحداً وأفشلُ!!
خجلتُ
والضوءُ ينبُعُ من قدميكَ بعد كلّ خطوةٍ
وما زال ليليَ في أوّلِهِ...

]4[
بحثتُ عنكّ
قالوا غافٍ في السديم، ولم تكن
أشاعوا أنك شاردٌ في الأزرق البعيد ولم تكن
وجدتُكَ واضحاً في حقول الفلاحين
في أيدي البحارين السمراء
وفي أعشاش السنونو الرقيقة
وفي قلبي كذلك...
ما ينامُ فيك، لن تجده خارجك
هكذا قال الهاتف قبل أن أغفو

]5[
وجهك كان خمريّاً
من أثر العنّابِ في يديكِ
والأزرق الذي عبّأ البحرَ
صارَ باللون ذاته
حين نظرتِ في الماء
هي أشياء لا يمكن للطبيعةُ مقاومتها

]6[
أراقبُكَ جيداً
بعينٍ ليست خبيرةً تماماً
وأنت تلمسُ كبدَ السماء
وتخمشُ الغيماتِ الصغيرات
بخفّةٍ حتى يطرنَ أسرع
وكنتَ كلَّ الوقتِ
تحرّكُ يدَيكَ، واحدةً على شكل قوس
والأخرى على شكل كمنجة
فيسري اللحن في الهواء
فأقول لك: لماذا على كل هذا أن يضيع؟
فتبتسم وتردد:
ما ينفع الناس... يمكث في الأرض

]7[
ماذا لو اصطففنا جميعاً، وأعني "جميعا"
وقبّلنا يديكِ، وأصابع قدميكِ إصبعاً إصبعاً
ووضعناكِ على الخارطة اسماً للبلاد
وعلّقناكِ في كلّ منزلٍ صورةً في إطارٍ فخم
وحوّلنا دمعتكِ المختزنة إلى نشيدٍ وطني
هل يقلّ هذا الحزن في عينيكِ قليلاً؟
 
]8[
خبزت أمي رغيفاً أبدياً
نأكله كلّ يومٍ ولا ينتهي
نفتته للعصافير ولا ينتهي
نعطيه للمتسولين ولا ينتهي
نفكّكه إلى سنابله الأولية
ولا ينتهي
هكذا أرغفة الأمهات، تدور حول الأرض
تبحث عن الجائعين... ولا تنتهي

]9[
سأصدّق أنّكَ متَّ
حين تتوقف عن مهاتفتي
لتقول إنك اشتقت إليّ
وحين تتوقف عن دق بابي
في أوقات لا تناسبني
بالأمس مثلاً
لم أكن مهيّأً لاستقبالك
لكنك، بقميصك القديم 
وحذائك الذي ترفض التخلي عنه
ملأت سجادة بيتي بالطين
وجلست أكثر مما يسمح وقتي "الثمين"
وثرثرتَ عن أشياء لم تكن تعنيني
وعندما غادرتَ وقد أطلق ديك الجيران صيحته
شككتُ أنك كنت هنا، فيما أغلق الباب وراءك
وسألتُ نفسي: من أين أتى هذا الطين على السجادة؟

]10[
ألّفتُ بلاداً كما أشتهي
بغاباتٍ تغطي ثلثيها
لأعطي فرصةً لنشوء الحكايات
ببحارٍ على حدودِها
ليولد أملٌ للذهاب وللقدوم
بأنهارٍ في قلبِها
لأغيظ الصحاري في البلدان البعيدة
سكّانُها، كما في كتاب القراءةِ في المدرسة
طيبون، كريمون... الخ
كم كانت بلاداً من ملل...
فألفتُ هامشاً من الندمِ واسعاً ومتاحاً
وأوّلُ قطفةٍ من هذا الهامش
قطفتُها لنفسي
لأنني ألّفتُ بلاداً مثل هذه

]11[
دعني ألعنك
أو أحبك
أو أتركك
أو أغير لونك
أريد منك أن تكون وطناً
لا بلداً

]12[
يا أخي، لماذا صرتَ بطلاً؟
أحرجتَنا وأفقدتَنا طعم الحياةْ
كلما سألنا بائعاً:
لماذا تبيعنا البضاعةَ أغلى مما تبيعه؟
يقول: هو بطل، لستم مثله...
كلما أحببنا امرأةً ترَكَتنا ومضت
لأننا لا نشبهك
وكلّما قرأنا كتاباً وجدناك هناك
ولا ذكر لنا
وكلّ ما زرعناه في حدائقنا المرتبة
لم يكن أخضر مثل شجراتك المزروعة على عجل
وكلّما أنجبنا ولداً
نطق باسمك قبل أن يتعلم البكاء
فلماذا كل هذه الدهشة على وجهك
حين قتلناكْ؟

]13[
لستِ وحدكِ، بل هم الذين وحدهم...

]14[
قُد سفينة المنسيين
في دائرة 
وراقب الزبدَ الأبيض
هو أرواحٌ غرقى
لم تجد من يلتقط لها صورةً
أعرفُ أمواتاً كثيرين يشبهونك
خرجوا من شهيق الحياةِ
إلى زفير العدم
يمكنُكَ أن تصلّي لهم
فصلاة الميتين أقرب إلى الله

]15[
وكان يسألني قبل أن يخرس تماماً:
ماذا سأفعل لو تعطّلت لغتي؟
كنتُ أخرسُ، وأدفعُ المنفضةَ أمام سيجارته الدائمة...
يعاود السؤال، ويكتبُ نصاً طويلاً
وفجأةً قلتُ له: اللغةُ لا تتعطّل
إنما تتغير من كلامٍ إلى عواءٍ إلى موسيقى إلى تعابير وجوه
فضحكَ، وأسندَ رأسَهُ للريح
اختار خطّاً بين الموت واللا موت
وضع قدماً في كلّ جهةٍ من جهتيه
خبّأ أوراده في خزانةٍ من قصب
وما زال يتأرجح بين العالمين

]16[
دعهم يتفرقون في البلاد
ويلجأون إلى الغابات الباردة
قتلى يحملون أسماءهم في أكفانهم
ويرددون أوصاف أحبّتهم لملائكة صغار
قد يصنعون الفرق لمن تبقى
دعهم يتفرقون سيولاً في الأنهار
وينامون تحت زفرات الليل على وسادة من أدعية
ربما سيضحكون ذات يوم
ربما سيقرأون تعويذاتهم ذات صلاة
ربما سيكرمهم الله بتجاوز أخطائهم الصغيرة
لأنهم ماتوا خائفين
ودون أن يعرفوا السبب
ألف ربما
تنعقد كمسبحةٍ طويلةٍ تطقطق في يد شيخ
لكن القتلى لا يأخذون ملامحهم من اسم القاتل الأبدي
والمقتول ما زال سابحاً في هواء ساخن
يبحث عن روحه بين الأرواح التي يغربلها الضوء
يريد أن يستعيد ملامحه
أن يردّ وقتَه إلى بداياته
ولا يستطيع
المقتول ما زال مقتولاً
ودمه ما زال طازجاً بعد كل هذا الوقت
يا الله... أعطنا السكينةَ
وأعطه النومَ لساعات قليلة
كي يواصل رحلته إلى السماء




 
     
عدد التعليقات 0