khaled Juma
سجل الزوار   راسلني   الصفحة الرئيسية
   
 
 
  قصائد
  قصص
  مسرح
  translation
  أبحاث ودراسات
  أعمال آخرين
  مواقع أدبية
  متفرقات
  صور
   
 
نصوص
مفرطٌ في جمالِكَ!!
 

{1} مفرطٌ في جمالِكَ
تحملُ خبزاً بيتيّاً في ساعة الفجرِ تلكَ، لأبيكَ الذي يفتح قنوات الماء لعروق الأشجار الضعيفةِ، مستغلاً برودة هذه الساعة، تعودُ محمّلاً حطباً لأمّك الناطرةِ جوار الطابونِ بوجهٍ يعدّ الفطور وحده للصغار، تخرجُ ككل صباحٍ لتمسك يد "أبو خليل" الأعمى لتدلّه على المكان الذي يحملُ عصبيّته حتى المساء، ثم تدق باب عمك حسين لتخبره أن أبا خليل جاهز للنميمة، تعود وقد انتهى أخوتك من إفطارهم، فتوصلهم إلى مدارسهم، فيما أنت تمشي على قدميك وتحملهم بالتناوب...
لم تتأخر كذلك حين قالت لك معلمة المدرسة الوحيدة، الوحيدة، أن الحنفية الوحيدة تنزف، فتشمر عن ساعديك وتوقف نزيفها... وفيما أقرانك يلعبون في ساحات القرية، ويغازلون البنات الذاهبات إلى العين والعائدات منها، كنت تأخذ "الكعكبان" الذي تصنعه أمك وتدور به تحت الشمس وتحت المطر، حتى يحصل أخوتك على كراسات وأقلام، وحتى تحصل أختك على مكحلةٍ لأن عريسها يحب الكحل في عينيها...
أرأيت كم كاذب تاريخنا حين لا يأتي على سيرتك؟

{2} أربع عشرة رصاصة

حينَ خرجتَ لآخر مرةٍ من البيت، لابساً الليل على جلدٍ من أقمار، ولوّحتَ لي من خلف ظهرك، لم أكن أعرف أنك ستعود بأربع عشرة رصاصةً في جسدٍ من خيال، كان جمالك يسيل على الإسفلت، وكنا نقف مبهورين كأطفال في حضرة لاعب سيرك، وضعتنا على الهامش في حياتك، وأسقطتنا من الصفحة كلها بموتك، يا أجمل الوجوه التي غنت لها الحساسين في الليلات المقمرة، لماذا لا ننساك كما نفعل ببقية الشهداء؟ ولماذا تصر على الحضور رغم أننا نكش طيفك بضراوةٍ وعدائية لا يصدقها أحد...

{3} يمشي على الريح
رأيته يمشي على الريح، كأنه اخترع الخريف ليكون الورقة الأولى التي تهبط من أمها الشجرة، كان ملوّنا، وحديثاً كزهرةٍ طازجة، معبّاً بالإيماءات ولا لغة أخرى لديه، حرّك يده اليسرى ففهمت الطيور أن المساء على الأبواب، واجتهدت في جمع الحَبّ، وحين حرّك اليمنى اختفت الشمس وراء الغيمة الوحيدة في الأفق، لم أر غيمةً ثابتةً في الفضاء إلا ساعتها، وظل يحرّك كل جزءٍ من جسده على حدة، يغمزُ فتطيرُ الأوراقُ في دائرةٍ كراقصاتٍ محترفات، يلوي عنقه باتجاه الشرق فتنضج الحنطة في الحقول، كان كلّ شيء في لحظة، وفي لحظةٍ لم يعد شيئاً، لو لم أكن هناك، كيف كنتُ سأصمدُ في حقول المعرفة يا إلهي؟ وكنتُ قبل هذا أظن المعرفة ما تعرفه الحواس...

{4} طفل ضئيل الحجم
وتساءلتُ كطفلٍ ضئيلِ الحجمِ: لماذا تصيرُ الأشجارُ عاليةً حين تنضجُ الفاكهةُ على أذرعِها، فضَحِكَتْ التوتةُ التي كانت أعلى من الحُلُم: كنّا قريباتٍ من الأرضِ، فقالوا إننا نحملُ ما لا قيمةَ له، فتآمرنا كي يعرفَ المغترّون قيمة ما لدينا، فارتفعنا، فصرنا مهوراً للجنّيات، ارتفعنا أكثر فصرنا كلامَ شعراء، علَونا أكثر فصرنا أهدافاً للمغامرين... هذا ما جنيتم على أنفسكم، ولم نجنِ على أحد

{5} بحث
ومع كل هذا البحث عنك، في الطرقات، بين الشجر، في بحيرات النار والدم، وفي طوابير المخابز، بحثنا حتى في أجنحة النسور والفراشات، لم نجد لك أثراً، ولا حتى كلمة معلقة في الهواء، كيف تغزل كل ذلك الوطن على يديك الخشنتين، وتختفي دون أن نستدل عليك؟ لو أنك تعود للحظة لترى كل أولئك الذين خلدتهم الكتب، والصور والشعارات، وهم لم يفعلوا شيئاً غير أنهم ادعوا أنهم ألقوا عليك التحية وأنت تجر محراثك إلى الحقل ذات يوم...

{6} يدلني عليك
يدلّني عليكِ صوتُ نايات الرعاة، أينما حلّوا كنتِ تحرسين صغار الخراف من قسوة المناخ، وتفحصين العشب عشبةً عشبةً كي لا تؤذي أسنانها الطريّةَ...
يدلّني عليك الحصانُ البرّيُّ حيثُ لا يستطيعُ التمرينَ على الجري قبل أن تهديه تعويذةً من صهيل...
يدلّني عليكِ ظلُّكِ، فلا أحد لديه ظلٌّ أزرق في الظهيرة، ولا أحد له ظلٌّ بعد غياب الشمسِ إلاك

{7} أربعون قمراً
أربعون قمراً رقصت بالأمس على نافذتي، لم تكن دائريّةً تماماً مثل عادتها، وكنت في حالة بين الصحو والنعاس، كل قمر كان له ذئب على الأرض يحاوره عواءً، وكل ذئب له شجرة تغطي انسحابه آخر الليل، وكل شجرة لها لغة ترددها الوديان أغنيةً لا تنتهي، وكل أغنيةٍ لها دمعةٌ تلاحقها، كم هو صغير هذا العالم، كم هو مترابط وشقي بترابطه المزمن، في الصباح، كانت النافذة مكانها كما يجب أن تكون، لكن لا أقمار ولا ذئاب ولا أشجار، الحيرة وحدها معلقة أمام الشباك ترسم علامات استفهام عن حفلة الأمس، وما جعلني أدرك أنني لم أكن في وهم، أن قمرين أعرجين لم يتمكنا من الانسحاب بسرعة بقية الأقمار، وما زالا معلقين جوار علامات الاستفهام وهما يجاهدان للحاق ببقية رواد الحفلة الليلية، أحدهما كان ينزف ضوءاً بوضوح، وذئباهما يختبئان خلف صخرة بعيدة، ويعويان بصوت خافت يتناسب مع المشهد...

{8} الشجرة الجنّي
من وجه الفجر ضئيل الضوء، أرستقراطي البرودة، استعرنا ثباتنا أمام المشاهد العالية في المدى المفتوح، كنا نعبث مع الشموس كأننا أطفال، ونعبث مع الأطفال كأننا لغتهم، نفبرك المخيم لنصنع منه عوالم ومغر، وتتحول كل شجرة فيه إلى جني، وكل عمود كهرباء إلى دون كيشوت، وكل نجمة هي أحد أصدقائنا الذين غادروا، كنا نعرف عميقاً في داخلنا أن المخيم لا يصلح لحياة البشر، لكننا أحببناه وزوقناه في مخيلتنا الهشة، رفعنا عنه كل صفة تجعله جحوراً لا بيوتاً، وصدقنا ذلك لفترات طويلة، وما زلنا نصدق بالطبع، فلا يمكن أن نتنكر لمن أنبتنا وجعلنا ما نحن عليه، صار المخيم جزءاً من أسمائنا، بل وربما ملامحنا في بعض الأوقات، إلى أي حد كان ذلك صحيحاً؟ حسناً، إلى الحد الذي كنا نمشي يوماً في أحد شوارعه، وفجأة قال صاحبي: هناك شيء غريب تغير في هذا المكان، وحين دققنا النظر، وراجعنا ذاكرتنا، كان هناك حجر واحد من حجارة الرصيف قد أزيح من مكانه، هكذا هدأت أرواحنا وواصلنا مشوارنا.

{9} دم على الإسفلت
هناك دمٌ على الإسفلت، كان قبل قليل أحمراً وسائلاً، الآن تيبّس وذهب لونه إلى السواد، لم يعد الشهيد في المشهد، لكن التواء خط الدم يرسم شكل سقوطه، حتى أنك تستطيع أن تلمح أثر يده المضمومة على لا شيء، وهذه الحفرة الصغيرة هنا، نعم هذه التي بحجم بيضة، هذه دقة كعبه في الأرض من حرارة الألم قبل أن يستشهد بثانية واحدة، وهذه زجاجة الماء الفارغة، نعم تلك باللون الأزرق، هي التي كان الجندي الذي أطلق الرصاص يشرب منها فيما يشير بيده الفارغة إلى سيارة الإسعاف بعدم التقدم، وهي ذات اليد التي فحصت نبض الشهيد لتتأكد أنه توقف تماماً، هذا المشهدُ هو ذاته، تتغير زاوية الكاميرا، عدد المارين، تتغير الأسماء، وتستبدل زجاجة الماء بكوب قهوة، لكنه المشهد ذاته، والمتفرجون كذلك هم ذاتهم.

{10} مريم
كنّا أطفالاً يا مريمُ، تحرسين مروري القصير إلى جوارك بابتسامةٍ بقيت عقوداً عالقةً في الريح، كنّا أطفالاً يا مريمُ، كنتِ بشعرٍ من ذهب، وكنتُ بكتابٍ في يدي دائماً، وما أبديتِ إعجابكِ بما أحمل إلا وأعطيتُكِ إياه حتى وإن لم أقرأه، كنّا أطفالاً يا مريم، ونرى الموتَ بعيداً كسفرٍ إلى أوروبا مثلاً، وكان الشارع يرقص في ذهابنا ومجيئنا ويكتب عبارات حبٍّ على الهواء، كنا أطفالاً يا مريم، وخلفَ بيتِنا تماماً، حيث كنتِ تضعين ضحكتكِ كإشارةٍ كي أعرفَ أنّكِ هناك، ربّيتُ في المكان ذاته من بعدكِ وروداً، قططاً، حكاياتٍ، لكن لم يكن لأيّ منها طعم مرورك في الهواء... كنا أطفالاً يا مريم، وليتنا بقينا كذلك...

{11} فاطمة
يا فاطمة
افتحي بابَ بيتِكِ، واشبكي العشاقَ المتناثرينَ على صمتِ المصطبةِ في جدائلكِ المغسولة حديثاً، ودعيهم يتلولحون فيما أنتِ تؤدّينَ رقصةَ الحزنِ تلكَ، فمن تناثر منهم أراحَكِ من خُطبةِ الرفضِ، ومن داخَ منهم وفّرَ عليكِ سيلَ الكلام، ومن طالبَكِ بأن تُجنّي أكثر في الرقص، وأن تصنعي دوائر من ضوءٍ وأنت تتكئين على كعبيكِ، من يرجوكِ أن تدوري حتى يختلطَ لون شعرِك بلون النهارِ بغرزات ثوبِكِ، فذلك هو العاشق...

{12} ألقيناك في البحر
مزّقناكَ ووزعناكَ على الجهات، وما زلتَ جميلاً، دفنّاكَ تحتَ الأنهارِ فصرتَ خِصابَ الوديان، وضعناكَ في الثلجِ فخلقتَ بياضَهُ، أطعمناك للوحوش فتأنسنَتْ، رميناكَ في جهنم الصحراء فتحوّلت جنّةً، ألقيناك في البحرِ فاختفى الملحُ والموجُ، فمن أي فجرٍ خُلِقتَ؟

{13} صمت
لا تتركي صمتي يسيل على الجهاتْ، جهة الصباح تسرقه من الفراشات، وجهة الليل تبدّدُه في مساراتٍ لا علاقة لها بالأحلام، لملميه كما تفعلين كلّ حلمٍ بأساورك القديمة، تلمّعينها بدمعتين مرتجلتين من ذاكرة بعيدة، وتعيدينها إلى خزانة القلب كتعويذةٍ لا بدّ منها، وحينَ تمشّطين شعركِ قبل الخروجِ، تحسسي جلدَكِ المرويّ بالكلمات التي لم أقلها، تأكدي فقط، أن صمتي كلُّه هناك، ينامُ آمناً دون أن تخدشه كلمة.

{14} مجرد خاتمة
هي مجرّدُ خاتمة، يزرعُ شتلةَ ريحانٍ ويقبّلُ أوراقَها قبل أن يسقيها أوّل جرعةِ ماء، ثم يدخلُ في غيبوبةٍ قصيرةٍ ويمضي إلى الأبد، وبين قُبلة الريحان والغيبوبة، هناك ثانيةٌ أبديّةٌ مرّ فيها العمرُ كسائحٍ متمرّس بطيء، النذور التي لم يسعفه العمرُ أن يفي بها دارت مثلَ نجومٍ راقصة، رأى لحظات لهاثه في الحقلِ الكبير، طفلاً يبحثُ عن مأوىً بعد أن فقد الطريق إلى البيت، تمترستْ أمّهُ كصورةٍ في الهواء بوصاياها التي لم يغفلها يوماً، وآخر الأصواتِ كانت غناء كل شتلةٍ زرعها بيده الخضراء ذات يوم، أدهشته الغابات التي تغني، لم يكن يعرف أنه زرع كل هذه الأدغال في سنواته التي أربكت العددَ، تنازل عن حصّته في الهواء، ثم راح في المسار البعيد، كما قلت في البداية، كانت مجرّد خاتمة.

23 تشرين أول 2016


 
     
عدد التعليقات 0